رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

الاكليريكية البطريركية المارونية من عين ورقة ومار عبدا إلى ...غزير

 

إعداد د. الياس خليل

كانت تتم التنشئة الكهنوتية في الكنيسة المارونية, كما في غيرها من الكنائس, على الطريقة التقليدية, أي في دير قريب أو لدى كاهن مثقف وتقي. أما التنشئة في المدارس الاكليريكية فهي حديثة العهد.

أول قرار بإنشاء مدرسة اكليريكية مارونية جاء في روما، من البابا غريغوريوس الثالث عشر, الذي أسس سنة 1584 المدرسة المارونية الرومانية بهدف تنشئة كهنة يحملون كنيستهم الى اللحاق بموكب الحضارة التي كانت تسير في دول الغرب.

أما أول قرار بتأسيس مدرسة اكليريكية في لبنان فقد جاء من البطريرك يوحنا مخلوف سنة 1624, عندما حول دير سيدة حوقا في وادي قنوبين الى مدرسة اكليريكية تحضر الطلاب للكهنوت وتلحق المتفوقين منهم بالمدرسة المارونية في روما. ولكن هذه المحاولة لم تعش سوى تسع سنوات.

مدرسة عين ورقة اول المدارس الاكليريكة

سنة 1798, أمر البطريرك يوسف اسطفان, وهو تلميذ المدرسة المارونية الرومانية , بتحويل دير مار انطونيوس في عين ورقة الى مدرسة اكليريكية بطريركية وذلك بعد أن عاين التعثر الكبير والجهالة التي تمر فيها الكنيسة المارونية وبعد ان وضعت عائلته الدير المذكور مع أوقافه لتنفيذ هذا المشروع الطموح وللسهر على استمراره.

                       

ذاع صيت الاكليريكية حتى أطلق عليها بجدارة لقب "أم المدراس في الشرق" و"سوربون لبنان" لأنها خرجت عددا كبيرا من البطاركة والمطارنة والكهنة وأعطت لبنان نخبة من الادباء لعبوا الدور الدريادي في النهضة العربية.

مدرسة مار عبدا هرهريا

على غرار عائلة اسطفان, قدمت عائلة آصاف وقفيتها في دير مار عبدا الى البطريرك يوسف حبيش, ليؤسس فيها مدرسة بطريركية وذلك سنة 1830. لكن الاستيعاب بقي محصورا لضيق

 

المكان. في تلك الحقبة, أبصر النور عدد لايستهان به من المدارس البطريركية والابرشية, انما لم تستطع استقبال اعداد الطلاب المتنامية ولم تعمر، لتأثرها بأحداث 1840 و 1860 ومن بعدها بالحرب الكونية الاولى.

 

مسيرة الاكليريكية البطريركية المركزية

سنة 1934, وبعد أن سعى كل من البطاركة يوحنا الحاج والياس الحويك الى تأسيس مدرسة اكليريكية مارونية مركزية تجمع كل اكليريكيّ الطائفة وتعطيهم تنشئة موحدة وعالية تتماشى مع تقدم العصر وتسد حاجات الكنيسة, دعا البطريرك انطوان عريضة الى عقد مجمع في بكركي, لبحث شؤون الطائفة وبخاصة تنشئة الكهنة فيها, وبينما كان البطريرك والمطارنة يستعدون لاصلاق مدرسة مركزية, وصل امر من مجمع الكنائس الشرقية في روما يطلب منهم "اتخاذ دير اليسوعين في غزير لاقامة مدرسة اكليريكية مركزية للطائفة تحت اسم مار مارون, يديرها الاباء اليسوعيون" وكانت تلك المدرسة قد تأسست سنة 1843, عندما أقدم الآباء اليسوعيون على شراء قصر شهاب في غزير لتحويله الى مدرسة اكليريكية شرقية تحت اسم مار يوسف. وعند تأسيس جامعة القديس يوسف في بيروت انتقلت الاكليريكية الشرقية هذه من غزير الى بيروت.

أمام هذا المتغيرات, عاد البطريرك عريضة الى مدرسة عين ورقة, يرتكز عليها لتحقيق حلمه وحلم اسلافه بقيام اكليريكية مركزية. فطلب من جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة تسلم الادارة. وفي سنة 1951, قررت اللجنة الرسولية التي عينها البابا بيوس الثاني عشر توحيد اكليريكيتي عين ورقة ومار عبدا, فأقفلت عين ورقة لتزدهر مار عبدا, الا أن ضيق المكان في هذه الاخيرة حمل رئيس الكليريكية في حينه الخوري حارث خليفة على المطالبة بتشييد اكليريكية عصرية تستوعب ما يزيد عن ثلاثمائة طالب. عند تعثر هذا المشروع, دخل الخوري حارث في حوار مباشر مع الاباء اليسوعيين حول امكان دمج اكليريكة مار عبدا مع اكليريكة غزير. الى البطريرك المعوشي. ولكن مار عبدا مالبث انت اقفلت ابوابها, في العام 1965 فانتقلت ادارة مار عبدا برئاسة الخوراسقف حارث خليفة الى اكليريكية مار مارون في غزير, الذي بات المكان الاوحد لرعاية الدعوات, وفي سنة 1969 تسلم الخوري يوسف ضرغام (مطران القاهرة الحالي) مهمات الرئاسة فتجاوزت الاكليريكية المذكورة الازمات واخذت تبلور دورها في تربية طالبي الكهنوت. لكن العام 1972، عرف تململاً في صفوف المرّبين وفي صفوف الإكليريكيين، بسبب بروز مشاكل إقتصادية وتربوية. وفي العام 1974 حدث تحولان هامان: انتقال الطلاب للدروس خارج غزير (الى مدرسة الحكمة تحت اشراف الخوري خليل ابي نادر (مطران بيروت لاحقاً) واحتضان غزير للاكليريكية الكبرى, بعد اقفال المعهد الشرقي في بيروت.

 

سنة 1976, قام البطريرك انطونيوس خريش بشراء دير الآباء اليسوعيين في غزير وحوّله, بصورة نهائية الى اكليريكية بطريركية مارونية, فحقق بذلك ما كان يتمناه اسلافه, منذ البطريرك يوحنا الحاج, اي انشاء اكليريكية مركزية مارونية وبإدارة مارونية. وبتسلم الخوري يوسف بشارة الرئاسة, راحت الاكليريكية البطريركية في غزير تنمو وتزدهر وتتجدد حجراً وبشراً, بينما بدأت الكلية الحبرية في جامعة الروح القدس تستقبل الاكليريكيين لدراسة الفلسفة واللاهوت. وعند انتخاب هذا الاخير مطراناً على ابرشية انطلياس سنة 1986, خلفه في الرئاسة الخوري نبيل العنداري (النائب البطريركي على أبرشية حونية حالياً), الذي أكمل العمران بزيادة جناح علوي وعصري فوق البناء الاثري القديم. وفي سنة 1995, عين البطريرك نصر الله صفير الخوري ميشال عون ( مطران جبيل حالياً ) رئيساً للاكليريكية, فواصل العمل على رفع المستوى الاكاديمي والروحي لطلاب الكهنوت. وفي العام 1998، تسّلم الخوراسقف وهيب الخواجه رئاسة الاكليريكية مساهماً بإعلان شأن هذا الصرح الروحي الكبير وتطوير التنشئة الكهنوتية, تماشيا مع اطلالة الالف الثالث.

وتأكيداً على الأستمرارية، تسّلم الخوراسقف مارون عمار ( النائب البطريركي الحالي على الجبّة)، مهام الرئاسة، ليصل بها الى المستوى الذي نعرفه اليوم.

 

منذ أن أصبح البطريرك الكاردينال بشارة الراعي على رأس الكنيسة المارونية، أخذ يصّب اهتمامه على توحيد المعاهد الأكليريكية المارونية تحت أدارة مركزية موّحدة. فاتجهت اكليريكية القديس أوغوسطينوس الى استقبال السنة التحضيرية، برئاسة الخوري شربل بشعلاني. وأكملت اكليريكية غزير دورها الريادي في احتضان طلاب الفلسفة واللاهوت، برئاسة الخوراسقف عصام أبي خليل، بينما غدت إكليريكية كرم سدة مرجعاً لطلاب اللاهوت في السنة الرعائية، برئاسة الخوراسقف أنطوان مخايل.

اليوم، تعد الاكليريكية البطريركية المارونية في غزير من اهم الاكليريكيات في لبنان وفي الشرق. فهي اعطت وما تزال نخبة من رجال الدين والدنيا, نذكر منهم على سبيل المثال, بطريرك الاستقلال المغفور له الياس الحويك, والبطريرك نصر الله صفير. كما أن عدد المطارنة الذين تلقوا علومهم في هذا المعهد بات يشكل اغلبية السينودس الماروني الحالي.

 

ر