رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

دور رابطة قدامى الاكليريكية البطريركية المارونية في كنيسة لبنان اليوم

 

بقلم الخوري ( المطران )منير خير الله

محاضرة ألقيت بمناسبة عيد مار مارون 9/2/1987 في الاكليريكية البطريركية المارونية – غزير.

 

صاحب السيادة,

أيها الآباء الأجلاء والاخوة والاخوات الاعزاء.

انه ليسعدني أن اكون محاضرا فيكم وبينكم في هذه العشية, عشية عيد أبينا القديس مارون, ولكني في الوقت عينه أتهيب الموقف لسببين:

السبب الأول: لما يمثله الكلام على المارونية من التباس تاريخي يجمع بين عظمة المارونية وقوتها من جهة وبين مشاكلها وقضاياها من جهة ثانية.

ولاسبب الثاني: لما تمثله التخبة الحاضرة من ثقافة ومعرفة والتزام في قضايا كنيستنا ومجتمعنا, خاصة وان الاكليريكية تمثل خلاصة الوجود الماروني الكنسي والاجتماعي.

ومع ذلك فأين سأجهد على أن تكون كلمتي الليلة توعية كنيسة ووطنية تجعلنا نعود, لا الى انفسنا ومصالحنا الشخصية مهما يمن من أهميتها, بل الى الدعوة التي نحن ملتزمون بها بصفتنا مسيحين – انطاكيين – موارنة وملزومين بعيش الانجيل في كنيسة يتباعد عنها طيف المسيح.

ووطن يسيطر فيه الوصوليون والتجار ورؤساء العصابات, وشرق تعود فيه الحركات الاصولية المتعصبة الى اوج مجدها.

فالكلام على المارونية له اذاً ما يبرره نظرا الى الدور الكنسي والوطني الذي لعبته في الماضي البعيد والقريب والى التقاعس والتضعضع اللذين ترزح اليوم تحت كاهلهما.

لقد تعلمنا كلنا, اكليروس كنا ام علمانين, في المدرسة الاكليريكية وتربينا على حب الكنيسة والوطن بحسب خط تاريخي ثابت لكنيستنا المارونية مما يحدونا الى استجلاء ثوابت تاريخنا الدينية والكنسية والثقافية والوطنية كي نتلقن الامثولة ونخطط للمستقبل.

1-        الثوابت المارونية

وعليه فإني أرى في المارونية ثلاث ثوابت اساسية:

الثابتة الأولى: المارونية هي قبل كل شيء انطاكية.

ولدت المارونية في قلب الكنيسة الانطاكية البطرسية وتغذت من تراثها وروحانيتها وورثت ميزاتها. وما افهمه بانطاكية المارونية انها انفتاح ووساطة وتحرر.

أ‌-         المارونية هي انفتاح.

كما أن المسيحية الانطاكية دخلت الشعوب الوثنية ولم تقتلعها من تواريخها وثقافاتها بل ساعدتها على اكتشاف المسيح فيها, هكذا المارونية ان مارون وتلاميذه الذين تسلقوا جبال قورش اولا ثم جبال لبنان ثانيا, وكانت الجبال معقل الوثنية, امتزجوا بالشعوب الموجودة واجتذبوها للمسيح, فتحول الجبل كله من معابد للآلهة الى كنائس واديار ترتل اسم الاله الواحد الثلاثي الاقانيم.

وبعد تأسيس البطريركية المارونية وتركيزها في الجبل, بدأ انفتاح المارونية على الغرب من خلال الصليبين وادى هذا الانفتاح الى دخول الموارنة في الحداثة الأوروبية, فنقلوها الى بلادهم والشرق كله ساعدهم على الانفتاح على لاشرق والاسلام بصورة خاصة. فأدى ذلك الى دخول عائلات مسملة – سنية وشيعية ودرزية – في المسيحية المارونية والى امتزاجها الكامل فيها.

لقد حقق الموارنة بذلك انجازا نادرا في تاريخ العلاقات المسيحية – الاسلامية وتجرأوا في بداية القرن العشرين على خوض تحد كبير الا وهو خلق التجربة الاجتماعية والوطنية الفريدة من نوعها في العالم, أي الوطن اللبناني الذي يجمع المسليمن والمسيحين في الحرية والمساواة رغم الاحتكاكات الواقعية منها والمفتعلة والتي هي حصيلة مداخلات اقليمية ودولية.

فما لم تتوصل اليه كنيسة الغرب بعد قرون من النزاع الصليبي مع الاسلام, توصل اليه الموارنة ولكن بعد ان دفعوا غاليا ثمن انفتاحهم على الغرب.

المارونية, بصفتها الانطاكية, كانت اذا انفتاحا على العامل لغة وثقافة وعرقاً. فقد تبنت المارونية, حيثما وجدت, اللغات والثقافات المتعددة: من السيريانية الى اليونانية الى اللاتينية فالعربية فالفرنسية فالانكليزية فالاسبانية فالبرتغالية, وغيرها..

في لبنان, نلاحظ أن الموارنة متواجدون في كل المناطق والقرى بين المسيحين والمسلمين والدروز على السواء. وهذه ظاهرة لا نجدها حتى بين المسلمين انفسهم. قلما نرى السنة والشيعة أو الشيعة والدروز متواجدين في قرية واحدة.

في انتشارهم العالمي, تكيّف الموارنة عرقياً وثقافياً واجتماعياً بشعوب البلدان التي استوطنوها. لنا الشرف ان يقال بأن دم الموارنة امتزج بدم كل الشعوب. أليس هذا هو الانفتاح بعينه؟ اليست هذه هي المسيحية الانطاكية؟ اليست هذه الظاهرة الفريدة هي طاعة لوصايا السيد المسيح في الانجيل: أنتم كالخمير في العجين (متى 13/33), أنتم ملح الارض (5/13).

مارونتينا الانطاكية ليست اذا متعصبة كما يتهمنا المغروضون . كما أن الخمير لا يخاف من أن يذوب في العجين وكما ان الملح لايخاف من أن يذوب في الطعام, كذلك المورانة لايخافون من ان يذوبوا في الشعوب لانهم بذلك يمررنونها ويمسحنونها.

ب- المارونية هي وساطة.

وبفعل انفتاحها على الامم والشعوب, اصبحت المارونية وساطة بين روما وبيزنطية, وبين الشرق والغرب, بين المسيحية والاسلام.

بدأت المارونية رسالتها بالدفاع عن المجمتمع الخلقيدوني وعن ايمان الكنيسة الجامعة ضد الهرطقات والانشقاقات. وكان لتلاميذ مارون, من مثل ابراهيم القروشي وسمعان العامودي, دور هام في تقريب وجهات النظر بين كنائس انطاكية والاسنكدرية وبيزنطية.

ثمّ لعبت المارونية, في عهد الصليبين, دورا هاماً في التقرب من الغرب ومن كنيسة روما التي بقيت متحدة بها على مرّ العصور ولكن دون أن تتنكر لانطاكيتها. وهذا ما جسدّه دور البطريرك أرميا العمشيتي والمطران جبرائيل ابن القلاعي اللحفدي.

ثمّ كانت المدرسة المارونية التي اطلقت المورانة في الحداثة الاوروبية, فأغنتهم كثيراً وساعدتهم على مجابهة الأزمنة الصعبة وتحديات العصر وجعلت منهم وسطاء فاعلين بين الشرق والغرب.

كنسياً: يرزوا في حقل التقارب المسكوني بين الكنائس. نذكر هنا الحركة الكاثوليكية التي انطلقت من حلب على يد المورانة في القرن الثامن عشر وأدت الى ولادة الكنائس الكاثوليكية المتحدة بروما (Les Eglises Uniates)

ثقافيا: برعوا في حقل الابداع الثقافي الذي غيّر وجه الشرق العربي بقلهم العلوم الشرقية الى الغرب والحداثة الاوروبية الى الشرق. نذكر هنا, على سبيل المثال لا الحصر, دور البطاركة جرجس عميرة واسطفان الدويهي ويوسف اسطفان, مؤسس مدرسة عين ورقة, والمطارنة عبد الله قرألي وجرمانوس فرحات الحلبيين تلميذي بطرس التولاوي ورائدي الاصلاح الرهباني, والسماعنة والحاقلاني والصهيوني, في الغرب.

وكانت أخيراً وليس آخرا مدرسة عين ورقة التي اطلقت المورانة في النهضة العربية وساعدتهم على التجانس مع الاسلام والتفاعل والتقارب الثقافي مع المسلمين. نذكر هنا دور البطاركة يوسف حبيش وبولس مسعد, والمطارنة عبد الله وبطرس البستاني ونقولا مراد ويوسف الدبس, والشيخ رشيد الدحداح, وفارس الشدياق وبطرس البستاني ونعوم مكرزل, وغيرهم.

وتابعت هذه النهضة مسيرتها اذ جعلت من الموارنة رواد التحرر السياسي والاجتماعي والانماء الاقتصادي, من أمثال: البطريرك الياس الحويك, جبران خليل جبران, أمين الريحاني, خير الله خير الله, حميد فرنجية ...

في حلّهم وترحالهم, كان الموارنة وسطاء بين الكنائس والاديان والشعوب والثقافات. لم يكونوا خلاقين, لكن عبقريتهم تجلّت في الوساطة التي جعلت منهم جسراً يعبر عليه كل طالب علم وثقافة ومعرفة.

ج- المارونية هي حرية وتحرر.

كما أن المسيحية الانطاكية دخلت الامم وكرستها للمسيح دون أن تخضعها لشريعة موسى فكانت تحررا من اليهودية, كذلك المارونية دخلت الشعوب الوثنية ثم الاسلامية وكرستها للمسيح دون أن تخضعها لمقولة الشعب المختار فحررتها من كل سلطة زمنية تحاول المساس بإيمانها الجديد.

تمركز الموارنة في جبل لبنان وصنعوا منه معقلاً للحريات. فاستقبلو فيه كل مضطهد وكل مناشد للحرية في هذا الشرق. ورغم صغره, لم يضق يوماً واحداً. اسسو لبنان لأن الموارنة قوم يعشق الحرية ويرفض السلطوية. انهم ينتمون, ولحسن حظهم, الى كنيسة غير امبراطورية او سلطانية, قد يخضعون للسلطة ويقبلون بها, ولكنهم يكرهونها. فمنذ خمسة عشر قرناً وهم يحاربون السلطنات على انواعها, من بيزنطية واسلامية وغربية. وقد أدى ذلك في كثير من الاحيان الى ضعف او تقوقع ولكنه حرر كنيستهم على مرّ العصور من السلكة واحكامها. كانو اقوياء لانهم كانوا خارج السلطة وخارجين عليها.

الثابتة الثانية: المارونية هي في اساسها حياة نسكية.

النسك هو عنصر الرفض والاعتراض والاعتصام والاعتزال (والاعتزال هو نقيض الانعزالية).

ومقومات النسك في المارونية هي: الانتصاب الدائم في العراء على قمم الجبال أو في قعر الوديان – التي هي في روحانيتنا قمم جبال مقلوبة, على حد قول الخوري ميشال الحايك – للصلاة المتواصلة والتقشف وقهر الذات والعمل في الأرض.

فمن تنسك مارون ويعقوب وابراهيم وانتصابهم في العراء على قمم جبال قورش الى تنسك سمعان وانتصابه على العامود, الى تنسك قديسينا وبطاركتنا في جبال لبنان او في وادي قنوبين, الى تنسك شربل في محبسة عنايا وتنسك رفقاً في وادي جربتا, المسيرة هي هي ولم تتغير, كان نسكهم رفضا للاوضاع القائمة في الكنيسة وفي المجتمع ومناداة بالاصلاح عن سبيل التقيد الحرفي بالوصايا الانجيلية.

كان اعتزالهم داخل المؤسسة الكنسية وليس خارجها. انهم خرجوا على الكنيسة ليوبخوها كالانبياء ولكنهم لم يخرجوا منها على مثال مارتين لوثر في اصلاحه البروتستانتي. لذلك حافظ الموارنة على مقومات النسك في كنيستهم وحياتهم وبقوا واقفين منصبين مستعدين لسماع صوت ربهم ومجابهة تحديات الطبيعة والشر, فكلما كانت تشتد عليهم الاضهادات, كانوا يتوكأون على عصيّهم الخشبية كي لا يرضخوا فيرتخوا فيستبعدوا!

وبقي الموارنة حاى السنوات الثلاثين أو الاربعين الاخيرة محافظين على بعض.

مقومات نسكهم: فكانوا يصلون الفرض الالهي كل صباح ومساء واقفين حول "القرّاية" ليعبّروا عن صمودهم وبيرهنوا انهم قوم وجدوا ليكونوا وافقين, وسيبقون واقفين بإذان الله.

الثابتة الثالثة: المارونية في أواخر القرن السابع مع يوحنا مارون في المؤسسة البطريركية التي حافظت على ميزة المارونية الفريدة في الكنيسة الجامعة, الا وهي الحياة النسكية – الرهبانية على غرار الآباء المؤسسين والنساك, فكانت الكنيسة المارونية كلها تعيش وكأنها دير من أديار مارون, كان البطريرك فيها, بمثابة ورئيس الدير, هو الرئيس الأوحد والاب العام الروحي والزمني للموارنة. به وحده يرتبط الاكليروس والشعب اذ كان مرجعهم الأوحد. كان هو بنفسه يعين المطارنة بعد استشارة المجمع البطريركي والاعيان والشعب, وكان المطارنة يسكنون بقربه في الكرسي البطريركي او في اديارهم, اذا كانوا رؤساء اديار, ويشتركون معه بإدارة سؤون الكنيسة, وكانت حياتهم حياة تقشف وفقر. "le chevalier d’Arvieux" لم يكن لهم ابرشيات معينة, لكن البطريرك كان يرسلهم الى حيث تدعو الحاجة.

بفضل هذه الادارة المركزية والجماعية, حافظت الكنيسة المارونية على وجودها وعلى وحدتها رغم الفتوحات والاضطهادات والانقسامات المسيحية المتعددة. فكلما كانت تضعف هذه المركزية البطريركية, كانت تتجاذب الكنيسة المارونية عواصف التضعضع والتشتت.

مع دخول التأثير التريدنتيني ومحاولة استبدال المركزية البطريركية بالمركزية البابوية الرومانية (مع انهما لا تتنافيات بنظر بطاركتنا). ضعفت الكنيسة المارونية واصبحت اقل مناعة مما جعلها تلتوي, دون أن تركع, أمام العواصف الداخلية والخارجية المفتعلة, من مثل الحرب الاهلية بين 1840 و 1860, والحرب العالمية الاولى 1914-1918

2-        دور قدامى الاكليريكية البطريركية المارونية.

دواد الحداثة المشرقية كانوا من قدامى المدرسة المارونية الرمانية, ورواد النهضة العربية كانوا من قدامى مدرسة عين ورقة. قماذا يكون دور خلفائهم قدامى الاكليريكية البطريركية المارونية الحديثة في كنيسة لبنان اليوم التي تعاني من التراجع الجغرافي والتدني الثقافي والانحطاط الاخلاقي والهجرة المتزايدة مما يجعلها تفقد قاعدتها اللبنانية ومركزيتها البطريريكية؟

دورنا كأعضاء رابطة الاكليريكية البطريركية المارونية وكخلفاء الالمعيين من روما وعين ورقة هام ومصيري. لا تنقصنا الامكانيات والمقدرات, فمنا البطريرك والمطران والكاهن والطبيب والقاضي والمحامي والمهندس والظابط والمدير في دوائر الدولة والاستاذ الجامعي والشاعر والمؤرخ والاديب والاقتصادي والتاجر والموظف...

المطلوب ان نجمع شملنا ونحصي مقدراتنا ونخطط للمستقبل. وهذا ما تحاول ان تنقذه الهيئة التنفيذية الجديدة.

بالنسبة الى جمع الشمل ونحصي مقدراتنا ونخطط للمستقبل. وهذا ما تحاول ان تنفذه الهيئة التنفيذية الجديدة.

بالنسبة الى جمع الشمل, قررت الهيئة التنفيذية جمع كل المعلومات المتوفرة عن قدامى الاكليركية في عين ورقة ومار عبدا وغزير بهدف طبع دليل خاص في اقرب وقت ممكن يبلغ عدد المنتسبين الى الرابطة لغاية اليوم 383 عضوا فقط وهناك ما لايقل عن الألف وخمسماية عضوا لانعرف عنهم شيئا. فنتمنى على الحاضرين والملتزمين ان يسهموا بجمع المعلومات واستقطاب اكبر عدد ممكن من القدامى. كهنة كانوا ام علمانيين, الى الرابطة.

أما بالنسبة الى التخطيط المستقبلي, فيمكننا, انطلاقا من ثوابت المارونية ومن الحالة الحاضرة التي تتخبط فيها كنيستنا, أن تحدد المبادئ التالية:

أولاً: على صعيد الكليركية: دعم الكليريكية البطريركية المارونية مادياً وثقافيا وروحياً. وهذا ما تنص عليه المادة الثانية من القانون الاساسي للرابطة يمكننا دعم الاكليريكية المثالية في غزير بإعتماد الوسائل التالية:

أ‌-         تأليف "لجنة دعم الاكليريكية". وبالفعل قد عينت الهيئة التنفيذية بعد انتخابها بقليل لجنة لدعم الاكليريكية من الاستاذ جان وهبة والاستاذ جام مراد والاستاذ الياس مفاريقي والخوري عصام ابراهيم تعمل على مساعدة الاكليريكية مادياً من خلال اتصالها بالأعضاء والأصدقاء.

ب‌-       تأليف لجنة عرابين هل تعرفون ان كل اكليركي من اكليركيتنا له عراب خاص, اميركي او ألماني او فرنسي, يتبناه روحياً ويساعده مرحلياً في متابعة تنشئة الاكليركية؟

أن يساعد اكليريكيينا محسنون من الخارج, هذا حظ لنا, ولكن هل يمكننا أن نحقق يوماً الحلم الذي فيه يصبح لاكليريكيينا عرابون من بلدهم, اشخاص تربوا قبلهم في الاكليريكية وافادوا من تربيتهم لتبوأ مركز هام في الكنيسة او المجتمع؟ اعتقد هذا واجب معنوي على كل واحد منا بحسب مقدوره وبالطريقة التي يريد.

كنيستنا اليوم وغدا بحاجة الى كهنة. في السنوات السبعين الاخيرة, هبط عدد الكهنة الابرشيين (أي باستثناء الرهبان) في الكنيسة المارونية من 1471 سنة 1909 تأثير مشكلة نقص الكهنة. سنة 1909 كان المعدل: خوري لكل 257 مارونيا, سنة 1979 اصبح المعدل: خوري لكل 1884 مارونيا ولكنه رغم هذا النقص, لايهمنا عدد الكهنة بقدر ما تهمنا نوعيتهم. التنشئة الكهنوتية هي بالاساس ضمانة نوعية الكهنة واندفاعهم في خدمة كلمة الله وشعبه. فاذا لم نتحمل نحن مسؤولية تنشئة كهنة الغد. من يتحملها عنا اذاً؟

الاكليركية البطريركية المارونية مدعوة لأن تلعب دورا مهما على مستوى كنيسة لبنان في المستقبل القريب. مدعوة لأن تكون مركز الاشعاع للكنيسة المارونية ولبنان والشرق كما كانت المدرسة المارونية الرمانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر وكما كانت مدرسة عين ورقة في القرن التاسع عشر. ومدعوة ايضا لان تحضر كنيسة المستقبل ومنها يجب ان ينطلق كل تجديد. ومدعوة اخيرا لأن تكون "إبرة الميزان" في الكنيسة المارونية حيث تكون الكفة الأولى الرابطة الكهنوتية والكفة الثانية رابطة قدامى الاكليريكية.

ثانياً: على صعيد البطريركية المارونية.

للبطريركية المارونية ثوابت في تاريخ الكنيسة وتاريخ لبنان. فدورنا سيكون في الحفاظ على تلك الثوابت مهما كلفنا الأمر لأننا أبناء هذه البطيركية ومعنيون بتاريخها ونؤمن أنها مرجعنا الوحيد. علينا ان نعمل على تعزيز المركزية البطريركية في سيد بكركي كي يستطيع, بالمشاركة مع مجلس مطارنته, أن يواجه التحديات الحاضرة ويحمي قطيعه الماروني, ومن خلال الشعب اللبناني بأسره, من الذئاب الخاطفة ويعيد الى لبنان مجده. علينا أن نساند سيد بكركي بمجابهة المؤامرة على لبنان بحزم وتوحيد صفوفنا وآرائنا حول شخصه. وهذا ما حدده البطريرك صفير مؤخراً في حوار مع بعض الصحافيين وزعته وكالة الأنباء المركزية وكان رداً على الذين لم يروا للكنيسة سوى دور روحي واجتماعي اذ قال:

"دورنا دور التوجيه والتندير والتتقبيح والتشجيع ... دور الكنيسة ليس روحياً واجتماعياً فحسب ... بل ان تعمل على رفع طلامات المواطنين سواء تسبب بهالهم النظام ان الفئات أم الأحزاب ام بعضهم لبعض .. ليس جورنا ان نحمل السيف. فالصليبية انتهت وكانت غلطة .. هناك مؤامرة على لبنان وهذا صحيح, فعلينا ان نحزم امرنا ونوحد صفوفنا وآرائنا وتنصدى لها".

فوعياً منا لثوابت تاريخنا ولدور البطريرك الماروني, نقول لغبطة ابينا البطريرك مار نصر الله بطرس صفير: نحن اعضاء رابطة الاكليركية البطريركية المارونية, التي تنتمون اليها, نضع بتصرفكم كل طاقاتنا وامكاناتنا المادية والثقافية والروحية لتأكيد دور الكنيسة ورسالتها التاريخية تجاه الموارنة وتجاه اللبنانيين.

ثالثاً: على صعيد المكسونية:

نحن حاملو لواء انطاكية, علينا أن نعي الدور الذي ستلعبه كنيستنا المارونية في الحقل المسكوني, وبخاصة في الاطار الجغرافي والثقافي الشرق-اوسطي. علينا أن نعمل جاهدين:

أولاً: على تقارب الكنائس الشقيقة في العائلة الانطاكية ونعمل معها على بناء وحدة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الهوية المشتركة, والمكتسبات اللاتينية والبيزنطية والعربية, والمصير المشترك.

ثانياً: على تقارب الكنيسة الشقيقة في العائلة الانطاكية ونعمل معها على بناء وحدة جيدة تأخذ بعين الاعتبار الهوية المشتركة, والمكتسبات اللاتينية والبيزنطية والعربية, والمصير المشترك.

ثانياً: على تقارب الكنيسة الانطاكية بأخواتها الكنائس الأخرى ابتداء بكنيسة روما عملاً بوصية المسيح: كانوا واحداً كما انا والآب واحد.

أخيرا, وعلى نطاق اوسع, على التقارب المسيحيين والمسلمين في لبنان والعالم العربي الذين تجمع بينهم اللغة العربية التي تكون ليس فقط وسيلة مميزة لتعارف والتفاهم, بل أيضاً مورد غني وانفتاح جديدين للكنيسة المجتمعة.

ومن أجدر منا بهذه الوساطة نجن ورثة المارونية الانطاكية؟

رابعاً: عل الصعيد الوطني.

الحرب اللبنانية وما حل بالمارونية من جرائها لا مثيل له في تاريخها, فالتهجير الذي تسببت به هذه الحرب يمثل اول تراجع للمارونية في امتدادها المتواصل من شمال سوريا الى جبال لبنان الى الشرق فالى الغرب. واول تراجع عن التزامها الوطني بلبنان الدولة والكيان, فالمارونية تنحسر في أيامنا وهناك من يقول ان من صالحها الانحسار اذ يريد حصرها في دولة "مارونستان" كما يسميها الخوري يواكيم مبارك, بين نهر الموت وجسر المدفون.

لا, لن نقبل بهذا الحل, نحن ورثة الانفتاح الانطاكي, بل وكيف نقبل بالتخلي عن لبنان الكبير, لبنان الـ 10425كلم2, بحدوده التاريخية بين النهر الكبير والناقورة, بين النهر الكبير والناقورة, بين قمة أرز الرب وجبل حرمون المقدس, لنتبنى لبنان الصغير, لبنان لبضعة كيلومترات مربعة الذي يحصرنا بين نهر يميتنا وجسر يدفننا؟!!

يذكر تاريخ الامس ان البطريرك الياس لحويك عمل على ولادة لبنان الكبير. فتاريخ الغد لن يذكر, وبإذن الله, أن البطريرك صفير عمل على ولادة لبنان  الصغير. وهذا ما يرفضه بنفسه اذا يقول:

"البعض يعتقد أنه يستطيع ان يخلص نفسه بفئة او طائفة او غير ذلك. نحن نقول: أما ان يخلص هذا الوطن بجميع فئاته اويفتت بالجميع:

نعم يا صاحب الغبطة, اننا سنسير على خطاكم ونحافظ على لبنان التحفة الفريدة, معتقل الحريات ووطن التعايش واللقاء.

وفي الختام نتساءل: هل يكون دورنا, نحن قدامى الاكليريكية البطريركية المارونية, في كنيسة لبنان اليوم, كما كان دور من سبقنا من قدامى مدرسة عين ورقة, من أمثال احمد فارس الشدياق والبساتنة, أو غيرهم من رواد النهضة العربية, من أمثال خليل سركيس وامين الريحاني ومي زيادة وجبران خليل جبران, الذين خرجوا من كنيستهم المارونية كي لا يعودو اليها ليدفنوا؟

كلا, لن يكون دورنا هكذا, وبإذن الله, لن تتكرر هذه السابقة. علينا اليوم ان نخرج على كنيستنا لا ان نخرج منها. علينا أن نعود الى عزلتنا النسكية ونتشبث بتطبيق الوصايا الانجيلية. علينا اخير ان نكون انبياء لا جبناء, ان نكون اصواتاً تصرخ في قمم الجبال وفي قعر الوديان: اعدوا طريق الرب, اسلكوا في سبله القويمة, واعملوا على احلال العدالة والمحبة والسلام.