رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

مداخلة في اطار" مؤتمر جبل عامل مهد المسيح " - قانا 4-5 ت1: "محطات على خطى المسيح في جبل عامل - لبنان" - جوزف خريش

 

 

مؤتمر جبل عامل مهد المسيح 

4-5-6-تشرين اول 2019

 

اليوم الاول -الجلسة الثانية -س 3 و30 - قاعة مبنى البلدية

محطات على خطى المسيح في جبل عامل "

جوزف ت. خريش

1 - -مقدمة – ان قدسية ارض لبنان ليست مقولة جديدة .الشواهد عليها كثيرة في التراثين المسيحي والاسلامي . 


في مقدمة هذه المداخلة اود ان اشير الى ما ذكرنا به منذ 22 سنة البابا
 يوحنا بولس الثاني اثناء زيارته التاريخية الى لبنان في ايار 1997 عندما خاطب  الالوف من اللبنانيين في ساحة الشهداء- ساحة الحرية - وسط العاصمة بيروت بقوله : ” نحن هنا في المنطقة التي وطئتها منذ الفي سنة قدما السيد المسيح.."
واضاف  : " أيها اللبنانيون واللبنانيات إن ابن الله نفسه كان اول من بشّر أجدادكم. هذا امتياز عظيم… لا يمكننا أن ننسى أن صدى كلمات الخلاص التي نطق بها يوما في الجليل قد بلغت باكرا الى هنا” في اطار الزيارة عينها، قال ايضا : ” لبنان هو ارض مقدسة وأرض قداسة وقديسين”.

2 - في غضون السنوات  التي عقبت تلك الزيارة التاريخية شهد لبنان اهتماما ملحوظا بالسياحة الدينية .كما حظيت مقولة  " لبنان اكثر من وطن .انه رسالة  " الفاتيكانية بتداول واسع .

وما أدل على الاعتراف بعالمية هذه الرسالة  – خلال  هذه الايام  اكثر من تصويت الامم المتحدة ( في 16-9-2019)   بشبه اجماع على قرار تأسيس  "اكاديمية الانسان للتلاقي والحوار"  في بيروت - والاعتراف ضمنا بما  للبنان من فضل في وضع الشرعة العالمية لحقوق الانسان ، ولكونه نموذجا في  الحوار بين الاديان والحضارات . تلك هي ميزة لبنان في كل زمن 

 

 نعم "لبنان هو اكثر من وطن. أنه رسالة”، "قيمة حضارية ثمينة "و"ضرورة للعالم" . هذه العناوين وردت في اكثر من رسالة حبرية , ولكن بعد ان تم التداول بها  فوق اكثر من منبر لبنانيلانها مستوحاة  من اختبار حضاري وروحي متنوع مغروز في عمق تاريخ ورسالة حملها اليه اكثر من نبي وولي وصاحب حكمة.

 

 او لم يعبر باسمهم الفيلسوف الرواقي زينون الصوري (القرن الرابع قبل المسيح)   عندما عرضت عليه المواطنية الاتينية فرفضها  لانه كان يعتبر  نفسه "مواطنا عالميا "   .

كان لا بد من هذه المقدمة من اجل ان نفهم أبعاد رسالة السيد المسيح الكونية وسبب اختياره قانا صور ارضا ومنبرا من اجل اعلان انجيل الفرح والمحبة والسلام الى العالم كله

 

3 -  من وحي هذه العناوين بالذات كانت ايضا انطلاقة مشروع “على خطى المسيح في جنوب لبنان”، عام 2012 على يد مجموعة  من محبي التراث الذي في اطاره يشكل جبل عامل  وبالتالي سائر جبال لبنان ، حرمون ,الباروك ، الارز ... رموزا واطارا جغرافيا  لموضوعنا.


-  
انطلاقا من ذلك يٌطرح السؤال : ما هي أهم المحطات التي تكوَن منها المسار العام لرحلات  السيد المسيح فوق ارض لبنان ، بأطاره الجغرافي الحالي، وما هي اهم الظروف والأهداف التي أحاطت بها؟ معالجة هذا الموضوع - الذي تناوله اكثر من باحث ومؤرخ - تستند الى نصوص بيبلية وكتابات مؤرخين وباحثين وتقاليد ومرويات محلية عديدة ، احاول ان اقف على بعض منها .


. -------
أولا: من يارون الى قانا :  بصورة عامة يلحظ معظم الباحثين في هذا الموضوع  أن السيد المسيح في رحلته من كفرناحوم عند شاطئ بحيرة طبريا (مركز بشارته وموطن اول مجموعة من رسله)  الى "بلاد صور وصيدا " ، سلك طريقا كانت تمر ببلدات صفد ، كفربرعم، الجش ، موطن اكثر من ولي ونبي، من وجوه العهد القديم في شمالي فلسطين . ومن هناك توجه الى قانا - صور- الصرفند - صيدا ، ومنها إلى ما كان يسمى بالمدن العشر او الديكابول، بما فيها قيصرية فيليبوس (بانياس) عند سفوح حرمون . ومن بين الباحثين من ذهبت به مخيلته إلى ما هو أوسع من تلك الرقعة الجغرافية .
 يشار الى اكثر من رحلة  او زيارة  واحدة قام بها السيد المسيح ، داخل المناطق اللبنانية الحالية , إذ ان النصوص الانجيلية توحي بأنه عندما كان يتجول لم يكن يسلك دائما الطرق المألوفة بل كان يسير أحيانا متخفياً ، طلبا للسكينة او للجوء ، في "مدن الملجأ"،(عرف اجرائي اجتماعي يعود الى عهد يشوع بن نون - خليفة النبي موسى   14 ق م )  هربا من امام محاولات الترصد والتهديد التي كانت تُوجه إلى السيد المسيح وتلاميذه – خصوصا  بعد مقتل يوحنا المعمدان، من قبل السلطتين الدينية ( الفريسين) والسياسية ( هيرودوس). وهذا ما حمل السيد المسيح  إلى أن يجيب فريقا منهم جاء ليجس أعماله قائلين : ("أذهب من هنا فان هيرودس يريد ان يقتلك" .فأجابهم : " اذهبوا قولوا لهذا الثعلب ها انا أخرج الشياطين وأجري الشفاء اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل" ( 13: 31-33).

ولما لم يكن له مكان ثابت للاقامة كان يردد : " للثعالب اوجره , ولطيور السماء اوكار اما ابن الانسان فليس له موضع يسند اليه رأسه " ( متى 8 : 20 )

 

1 - المرحلة الاولى من رحلات السيد المسيح كانت داخل ما يطلق عليه في ايامنا اسم جبل عامل او عاملة ، بلاد بشارة :

 

 - بعد أن مر  في صفد حيث ذكرى طوبيا البار مكرمة، ثم جش موطن بولس الرسول وفقا للقديس والمؤرخ (ايرونيموس  =جيروم)، وكفر برعم مدفن القاضي بارق، والنبي عوبديا، توجه إلى قانا ومنها الى مناطق اخرى - انطلاقا من المثلث الجغرافي العاملي  الحالي والذي يتشكل من  يارون - رميش - عين ابل- دبل . او على  مسار أخر يبدأ من وادي يارون  بين مارون الراس وبنت جبيل وعين ابل ليمتد من هناك الى قانا . 

على الرغم من العلاقات المتشنجة التي كانت قائمة مع السلطة لم يكن هناك ما يحول دون تقاطر الجموع بالآلاف وراء المعلم الالهي طلباً للشفاء او الاستماع إلى تعاليمه . جموع  من مختلف المناطقالجليل - أورشليم-  أدوم - عبر الاردن، سوريا - نواحي صور وصيدا وسواحلهما الخ. (مرقس 8: 3؛ متى: 21:1 - (راجع خريطة الفرد دوران ، مجلة المشرق 1908 عدد 11 ص 81-92.) 

  2 -
من المثلث  (يارون رميش عين ابل)   باتجاه بنت جبيل تتفرع الطريق الى عدة مسالك ووديان  يؤدي كل منها الى قانا فصور

- 1- شلعبون -عيناتا - بيت ياحون- حداثا - تبنين - حاريص- كفرا ؛ -2 -من دبل اميه ، ياطر- صديقين- قانا – وحناويه ....

- اشارة هنا الى قطعة فسيفساء كانت موجودة في ارضية  كنيسة سان كريستوف قرب  قبر حيرام قانا وحناويه نقلها العالم الفرنسي ارنست ريان الى متحف اللوفر عام 1861 وعثوره على عدة مواقع أثرية في هذه المنطقة التي القى عليها الضوء   في كتابه " بعثة فينيقية .Mission de Phénicie  منها شلعبون، الدوير ، بركة الحجر ، حناويه  حامول - وسواها . في شلعبون عثر على ثلاثة مدافن احدها يشبه بهندسته مدفن السيد المسيح .وصفه كما يلي :

 

 "Ce caveau paraît un de ceux qui peuvent le mieux donner l'idée du tombeau de Jésus.Un des traits caractéristiques de ces trois caveaux, c'est une espèce de jour de souffrance, percé près de l'entrée et destiné, quand la pierre était roulée à la porte, à   éclairer l'intérieur." P:676

 

وقريبا من هناك  في كونين  تحيي الذاكرة الشعبية  مقاما على اسم النبي دانيال.  في مجمل هذه التسميات نلاحظ استمرار الحفاظ على جذورها اللغوية الكنعانية.

 -3 في وقفة - يمكننا ان نتخيلها- في جوار تبنين ، ربما عند مفرق دير انطار - السلطانية – ( اسمها اليهودية قبل الستينات من القرن الماضي)  تطل امام الناظر لوحة بانورامية  تضم شرقا وشمالا جبل حرمون والباروك ، وغربا مدينة صور. يوجد تقليد شعبي يتخيل المسيح واقفا هناك ومتأملاً بأمجاد ماضي "مدينة صور" وبمصيرها ، كما سبق للنبي حزقيال ان تأمل بها ورثاها . (راجع حزقيال فصل 27و28و29) . في ذلك الموقع ، بدورنا  نتخيل المسيح واقفا هناك  متأملا بماضي المدينة من جهة - وبجذوره البشرية المتحدر هو منها  من جهة أخرى - . جذور ترقى الى جدّه الأعلى  العشرين “يورام” . ( متى 8:1 ).وما تربطه بالتالي  من علاقة نسب بشرية مع ملوك صور  ( راجع : لبنان في الكتاب المقدس – غسان خلف ص 10؛110؛150؛1 ملوك 16: 29-34 ). وبخاصة عبر شخصيتين  لعبتا دورا كبيرا في تاريخ المنطقة – ايزابيل وعتيلة - ( نتذكر موضوع مسرحيةََََ        الكاتب الفرنسي جان راسين- - الحفيدة المشتركة لكل من الملك العبري أخاب ( 874-853) والملك الصوري ايتوبعل الاول.  كانت ايزابيل قد انتهجت  في ايام عزها سياسة )تميزت بالتعصب لدين آبائها مما أدى بها الى مصرعها على يد متطرفين (3ملوك :17 : 11 )  بتوجيه من  النبي ايليا ، دفاعا عن ديانة الاله الواحد في وجه آلهة البعل. ولاحقا  قضت الظروف بالنبي ايليا نفسه الى  أن يطلب اللجوء الى صارفة صيدا في بيت أرملة من مواطني تلك الملكة ( ايزابيل) التي كان قد قتلها. (3ملوك9: 1-30-) - (راجع متى 1:1-17 و لبنان في الكتاب المقدس- غسان خلف – دار المنهل -1985 ص110و150-282و241  )، (1ملوك 16/31-).- اشارة الى ان كتاب الرؤيا للقديس يوحنا  اعتبر  ايزابيل رمزا للفساد ( رؤيا 2:18-29).


ثانيا :  قانا الجليل  قانا الجليل  تشكل محطة رئيسة على طريق يسوع داخل جليل الامم او الجليل الاعلى- جبل عامل اليوم – في جنوب لبنان  . في قانا كانت المحطة الاولى لإعلان رسالة يسوع العالمية و"ظهور مجده" ، وفقا لعبارة الانجيلي يوحنا. وذلك من خلال معجزة تحويل الماء الى خمر أثناء عرس كانت حاضرة فيه السيدة العذراء مريم أم يسوع.من البراهين التي يقدمها عدد من الباحثين على صحة كونها البلدة التي  جرت فيها  المعجزة انها البلدة  الوحيدة التي حملت دون انقطاع اسم  "قانا الجليل" - قانا الانجيل .يدعم هذه النظرية  شهادة  مؤرخين كبار في طليعتهم  مؤسس التاريخ الكنسي اوسابيوس القيصري (265-340) ومعاصره القديس جيروم, ( 347- 420) وسواهما من المؤرخين والباحثين عبر القرون :( فرنشيسكو سوريانو حارس الاراضي المقدسة ( القرن الخامس عشر),  مارتينيانو رونكاليا- الاب يوسف يمين - يوسف الحوراني- انطوان الخوري حرب – غسان خلف- الفرد ومي مر- المنسنيور بولس فغالي  - جمعية على خطى المسيح في جنوب لبنان وغيرهم . ان “قانا هي واحدة وهي الان في لبنان ". بهذه العبارة اختصر مارتينيانو رونكاليا  تعيين موقع قانا المعجزة وهويتها.خصوصا بعد ان اختبر الفرق في قياس المسافة  بينها وبين المواقع الاخرى المنافسة لها على الهوية  والموقع: كفر كنا وخربة قانا ... (راجع: م.ب. رونكاليا، “على خطى يسوع المسيح في فينيقيا – لبنان” 2007، ص 134).- اثبت الباحث  رونكاليا ان يسوع  زار قانا  مرتين: الأولى في اذار عام 28 عند اجتراح المعجزة الأولى، والثانية في آب من السنة  نفسها عندما جرى "شفاء عن بعد " لإبن وكيل الملك وآمن به الرسول نتنائيل .- في خلاصة  دراسة قيد الطباعة  لدى "جمعية على خطى المسيح في جنوب لبنان"  من اعداد  د. ناجي كرم : هناك حقيقة من الصعب جدا تجاوزها وهي تتمثل  بالشهادتين التاريخيتين الاوليين والاقرب بالزمن الى نشأة المسيحية في هذه المنطقة :  عنينا بذلك شهادة  كل من اوزيب القيصري  ( 265 – 340 ) والقديس جيروم ( 347 – 450 ) اللذين عاشا في هذه المنطقة وأرخا لاحداثها ، وتركا لنا حولها دليلا جغرافيا مفصّلا   =                    . ONOMASTICON- ولكن على الرغم من كل الادلة المتوفرة التي تؤكد هوية قانا الانجيل وتعيين موقعها ("على طريق صيدون الكبرى" ) في حقول  التاريخ والجغرافيا وعلوم الاثار مثل  :

 - وجود نقوش على صخور احدى وديانها ومغارتها- واجرانها  التي  تذكّر بقانا العرس الانجيلي، - اعتبار قانا “مدينة ملجأ” من بين مدن اخرى في نطاق حدود اشير - والتي يلمح  اليها كتاب "اعمال الرسل"  عند لجوء فريق من المسيحيين الأولين الذين هربوا من اورشليم  بعد الاضطهاد الذي رافق  سقوط اول شهيد  - اسطفانوس- وكان  شاوول نفسه  الذي اصبح لاحقا بولس الرسول احد المشاركين في ذلك الاضطهاد : “أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب اسطفانوس ( الشهيد الاول عام ٣٤ في اورشليم) فاجتازوا الى فينيقية”. (أعمال الرسل 15 :3) على الرغم من كل ذلك ما زالت السلطات الكنيسة تتريث من اتخاذ موقف داعم لهذه النظرية بانتظار اعجوبة ربما !

 أمام صعوبة البت في مسألة هوية قانا الإنجيل وموقعها يبقى موقف الكنيسة الرسمي من هذه المسألة قيد الانتظار تجنبا للوقوع في اي حكم ناقص او خطأ.
- بانتظار جلاء المزيد من الحقائق حول هذه القضية بفضل الأبحاث المعمقة في مجالي التاريخ وعلوم الاثار ، أو بفضل علامة من السماء ربما ، تتواصل المبادرات التقوية لدى المؤمنين ، ومن بينهم مسؤولون وباحثون ومؤمنون من مختلف الطوائف من اجل تعزيز مكانة قانا كمقام للحج والتلاقي بين جميع المؤمنين

ثالثا: – بين صور والصرفند ، ايمان الكنعانية ، السيروفينيقية ، العظيم ،تؤكد النصوص الكتابية ان السيد المسيح جال في نواحي صور و "مر في مدينة صيدا" . (مرقس7 : 31)١  -  ورد اكثر من نص وتقليد متوارث أشار إلى ان السيد المسيح استراح عند “رأس العين” جنوبي مدينة صور وتناول طعاماً عند ذلك الينبوع وشرب منه. كما  وردت اكثر من اشارة  الى  انه كان يوجد عند احدى بوابات صورصخرة يروى ان السيد المسيح وقف فوقها وهو يعلم الناس , وقد بني  في مكانها كنيسىة. (لبنان في حياة المسيح، بطرس ضو، 1980، ص 265  وغيره  ) - عند مشارف صور او قريبا من الصرفند - ابنة المرأة الكنعانية : ينقل الينا الانجيليان متى ومرقص ان السيد المسيح شفى ابنة امرأة كنعانية او سيروفينيقية ( مرقس  7 :  24 -30 ) متى 15 : 21 –28 - 30  ).  تعجّب يسوع من ايمانها وامتدحها بقوله لها: “ما اعظم ايمانك ايتها المرأة، فليكن لك ما تريدين” (مرقس 7: 28). وجاء في إحدى الكتابات المسيحية الأولى ( الميامر المنسوبة الى القديس كليمنس من القرن الثالث) أن تلك  كان اسمها يوستا، اي عادلة أو عدلاء، وبالكنعانية عدلونواسم ابنتها بيرينيق .فهل تكون بلدة عدلون هي مكان حدوث المعجزة واللقاء المميز بين الكنعانية والمسيح؟رابعا: – في طريقه من صور الى صيدا، مرّ السيد المسيح في الصرفند او ” صارفة صيدا” ( مصهر الزجاج)  بعد ان اتى على ذكرها في مناسبة سابقة ، وأعرب عن إعجابه بإيمان اهل صيدا وصور كما فعل تجاه الكنعانية بقوله : “ان صور وصيدا تكون لهما حالة اكثر إحتمالا  يوم الدين”، (لوقا 10/13 – 14) وذلك مقارنة بحال بعض المدن اليهودية التي كانت قد عاينت الآيات وسمعتها ولكهنا لم تؤمن كما آمن اهل صور وصيدا.    -  في مناسبة أخرى حيث كان السيد المسيح في الناصرة يلقي عظة، ذكر “صارفة صيدا”، واشاد بإيمان اهلها بقوله:“ ارامل كثيرات كنّا في اسرائيل في ايام ايليا حين حدث جوع عظيم… ولم يبعث ايليا الى واحدة منهن الا الى صارفة صيدا، الى امرأة ارملة " (لوقا 4 :24-28 - ).  ارملة  كان ايليا قد اقام ابنها من الموت بعد أن استقبلته ضيفا  لاجئا عندها . (3 ملوك 17/8 –  24       (هذه الحادثة حفظتها لاحقا التقاليد المسيحية (والاسلامية من بعدها عبر العصور) من خلال بناء كنيسة ثم مقام  ديني اسلامي ، تحت اسم الخضر ، لا يزال قائما ، وذلك تخليدا لذكرى إقامة ذلك الضيف (النبي  ايليا ). معلوم أن هذا المقام  لايزال  يحمل اسم “الخضر”، الى ايامنا هذه  وهو عبارة عن مزار يقصده الحجاج من مختلف المذاهب.خامسا: في صيدا ومغدوشة سيدة المنطرة وجوارها ، بين الانتطار والعبور الى التجلي1-       جاء في انجيل مرقس : “ثم خرج من تخوم صور ومر في صيدا “، (مرقس7: 31- 31- ومتى  15 : 21- 29 (الى هذه الحقيقة الصريحة يثبت النص الانجيلي كما اثبت لاحقا إقامة بولس الرسول في كل من صور وصيدا بضعة أيام وفقا لما ورد في كتاب اعمال الرسل: “مكثنا هناك سبعة ايام” ( أعمال الرسل  21 :1-7) و”أقبلنا الى صيدا فعامل يوليوس (الضابط الروماني) بولس بالرفق وأذن له ان يذهب الى اصدقائه (الصيداويين) ليحصل على عناية منهم” (أعمال الرسل  27: 3    ( .-  بالاضافة الى ذلك هناك تقليد قديم اشارت اليه الحاجة والقديسة ميلاني من اواسط القرن الرابع ( 343-410 ) يفيد بانها رأت في صيدا بيت المرأة الكنعانية التي شفى السيد المسيح ابنتها. وقد تحول هذا البيت، مع الزمن، الى كنيسة مكرّسة على اسم القديس الشهيد فوقا من بداية القرن الرابع   ( 303 )، (راجع  لبنان حياة المسيح  ، بطرس ضو، ص 265     (.-  تناقل الحجاج على مدى مختلف الحقب ذكريات ومشاهدة معالم  تتعلق بزيارة السيد المسيح الى صيدا . منها في القرن السابع عشر أن احد الحجاج الأوروبيين يذكر زيارته الى كنيسة المرأة الكنعانية  في حي “الكنان”.- (ربما تحريفا لاسم " كنعان")  وكانت تقع قرب ما اصبح يعرف لاحقاً بكنيسة مار نقولا الصغيرة وكاتدرائية الروم الكاثوليك. (راجع مقام سيدة المنطرة، الأرشمندريت سابا داغر، ص 13 سنة  200 (. -  2-  سيدة المنطرة – مغدوشةفي جوار صيدا لا يمكننا أن نغفل ذكر مقام سيدة مغدوشة التي أصبح مقاما  معترفا به على خريطة السياحة الدينية العالمية اليوم . وهو يرتفع فوق تلة على مقربة من مدخل صيدا الجنوبي .مقام  يحمل اسم “سيدة المنطرة”، إحياءً لذكرى زيارة السيد المسيح وامه السيدة مريم العذراء وعدد من تلاميذه الى صيدا وجوارها. وقد سُمي ب ” سيدة المنطرة” ( في الارامية فعل”نطر” يعني انتظر راقب وتأمل)،  لأن السيدة العذراء والنساء المرافقات لها، (وفقا لمرويات وتقاليد) ، “إنتظرن” فوق التلة خارج المدينة عودة السيد المسيح منها . وهناك من يرى ان الكلمة  ما هي الا تحريف للفظة مونسطيرMonastere التي تعني الدير  .- يعود تأسيس هذا المقام في القرن الرابع، في أثناء زيارة كانت تقوم  بها القديسة هيلانة والدة الامبراطور قسطنطين الأول. وكان مشروعا من بين مشاريع اخرى منها تشييد وتدشين  كنيستي القيامة والمهد في الأراضي المقدسة،( سنة  335 )  وترميم مقامات اخرى كانت قد تعرضت للتدمير  اثناء موجة الاضطهادات الكبرى التي استهدفت الديانة الجديدة وخاصة على يد الامبراطور ديوقليسيانوس. ومن بين تلك الاماكن  كاتدرائية صور (بين 316-335 ) اعظم كناءس فينيقيا في تلك الحقبة من التاريخ وربما في العالم . ومن بينها ايضا كنيسة ابيلا عاصمة ولاية  “ابلية – ابيلينة ” - سوق وادي بردى-  في منطقة السلسلة الشرقية من جبال لبنان، ( لوقا : 3: 4 )  والمشيدة  تكريما لذكرى هابيل شقيق قايين او قابيل ( ابني ادم وحواء وبكر البشرية )  . كانت ابيلينه ملحقة بفينيقيا الثانية في زمن الحكم الروماني . وبعد وفاة هيرودس الكبير الحقت  بسوريا في الفترة التي حكمها ليسانياس الوارد ذكره في انجيل لوقا : " في السنة الخامسة عشرة من ملك القيصر طيباريوس اذ كان بيلاطس حاكم اليهودية وهيرودس امير الربع  على الجليل  وفيليبوس اخوه امير الربع على ايطورية وبلاد تراخونيتس – وليسانياس امير الربع على ابيلينه وحنان وقيافا عظيمي الاحبار نزل وحي الله على يوحنا بن زكريا  في البرية فجاء الى ناحية الاردن كلها يدعو الى معمودية التوبة ..." ( لوقا : 3: 4 )  .( للتذكير : يضم مقام سيدة المنطرة  اليوم فضلا، عن مغارة اثرية، بازيليك تتسع لحوالي الف مقعد، وبرجا يرتفع الى علو 28 مترا يحمل في اعلاه تمثالا للسيدة العذراء طوله 8 أمتار. ويماثل بجماله واشعاعه الديني مقام سيدة لبنان في حريصا. (راجع: مقام سيدة المنطرة، الارشمندريت سابا داغر طبعة   2003 )


 رابعا-  من صيدا الى حرمون وسفوحه ، موقع التجلي - واعتراف بطرس بمسيحانية معلمه يسوع الناصريوإعلان تأسيس الكنيسة العاليمة على صخرة الجليلي بطرس- كيفا.

حول وجهة مسار الطريق التي سلكها السيد المسيح بعد مغادرته صيدا اقترح الباحثون اكثر من فرضية. يوحي النص الانجيلي (مرقس 7 : 31 ) بأن السيد المسيح عرّج من صيدا نحو مناطق المدن العشر (= ديكابول بما فيها  لبنان الشرقي وحوران والجولان واجزاء اخرى من الاردن وسوريا وفلسطين ) ، ليعود منها الى شواطىء بحيرة طبريا .
 يرى الاب بطرس ضو ان “المسيح اجتاز الجبل اللبناني من صيدا حتى مشغرة في سهل البقاع مرورا بجزين . واجتاز لبنان الشرقي من سهل البقاع حتى ميسلون ودمشق”. (لبنان في حياة المسيح ص 275-276 ).

 -  أيا كانت الاراء حول مسارات رحلة المسيح فوق الارض اللبنانية الحالية وغيرها  هناك محطات رئيسة لا يمكن تجاهلها:
 – 1في قيصرية فيليبس ( بانياس حرمون  ) وقراها، وقمة  الجبل حرمون  احداث اساسية : التجلي - الاعتراف البطرسي بمسيحانية يسوع - اعلان تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس- كيفا : (Petrus ) 

يلاحط ان المسيح قصد تلك المنطقة مع عدد من تلاميذه المختارين بهدف اللجوء والاختلاء في طبيعتها البعيدة عن أنظار الأعداء،وحيث بمكنه ان يتحدث معهم في امور اساسية . هناك يقيم ايضا  اصدقاء له من بينهم  “المرأة النازفة” التي شفاها من مرضها في كفرناحوم (متى 9 :20  – مرقس 5 :25  – ولوقا  8 : 40). فوق حرمون يبدو المكان ايضا مؤاتيا للصلاة على انفراد والتأمل مع التلاميذ في أعمق المواضيع وأهمها: التكوين، البشارة، الفداء، تأسيس الكنيسة وعالميتها ومستقبلها. (لوقا 9 : 18) . الأجواء ملائِمة  لترنيم صلاة داوود: “لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ … الهي اذكرك من ارض الأردن وجبال حرمون، من جبل مصعر، غمر ينادي غمراً على صوت شلالاتك، جميع تياراتك وامواجك قد جازت علي...” (مزمور 41 ).- 

في ذلك الجو سأل السيد المسيح تلاميذه: “من يقول الناس ان ابن البشر هو؟” .أجاب بطرس: “انت ابن الله الحي”. فأجابه المعلم بعبارته الشهيرة : "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها… وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات…” (متى 16 : 18-19) . “صخرة” ( باللاتينية بطرس Petrus  وبالارامية “كيفا ” الاسم البلدي لعميد الرسل ) . بتكرار هذه التورية  اراد السيد المسيح  التأكيد على  الرئاسة لبطرس من جهة وعلى  تأسيس الكنيسة تأسيسا ثابتا وقويا على مثال هذه الصخرة وهذا الجبل من جهة اخرى .-
-  من الشواهد التي تثبت حدوث  التجلي  فوق حرمون لا في موقعٍ آخر ( جبل طابور او جبل الارز على سبيل المثال ) اأن الأوصاف والقرائن التي وردت في النصوص الانجيلية مثل الجبل العالي والمقدس ( في متى 17 : 1 -8 و 2 بطرس 1 :8 1 ) تنطبق على مواصفات جبل حرمون لا على سواه ." اخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه فأصعدهم الى جبل عالٍ على إنفراد وتجلى قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالثلج” (متى 17: 1- 8 ).-  
بقي جبل حرمون حتى القرن الرابع موقعاً حافلاً بهياكل وثنية متجاورة مع اماكن مسيحية منها على سبيل المثال دير لراهبات متنسكات يذكر القديس جيروم في رسائله انه بعث لهن برسالة مؤثرة  تحت عنوان الى “عذارى جبل حرمون ” ..في المناطق اللبنانية الحالية القريبىة من سفوح حرمون ( راشيا، كوكبا...) حيث يتم الاحتفال سنويا بعيد التجلي في 6 اب من كل سنة تتخلله مسيرة  يرى بعض الباحثين ان  اقارب للسيد المسيح كانوا لا يزالون مقيمين هناك في القرن الثاني .
راجع :شهادة يوليوس الإفريقي من كتاب ذلك القرن - بطرس ضو، لبنان في حياة المسيح، 1980 ، ص 331
وتاريخ سوريا للمطران يوسف الدبس، ج4 ص 38-40) و (Dict.de la Bible , Supplement ,t.vi,Paris1960,col 332)).


  • يروي اوزيب القيصري مؤلف تاريخ الكنيسة، في القرون المسيحية الأربعة الأولى، انه لما كان في مدينة بانياس الواقعة عند سفح حرمون رأى ، في بيت قيل له انه يعود إلى المرأة النازفة التي شفاها السيد المسيح (متى 9: 20-22؛ مرقس 5: 25-34؛ لو 8: 43-48) ، تمثالين من النحاس يمثلان السيد المسيح وامرأة جاثية امامه ويداها مبسوطتان كأنها تصلي. وقد اقيم التمثال الأول على حجر مرتفع بباب بيتها. و " تجاه هذا تمثال من نفس المادة لرجل انيق مرتد عباءة انيقة مادا يده نحو المرأة ... ويقولون أن هذا النصب تمثال ليسوع وقد بقي إلى يومنا هذا ، حتى اننا نحن أنفسنا أيضا رأيناه عندما كنا مقيمين في المدينة "
    • راجع: تاريخ الكنيسة ،اوسابيوس القيصري، ترجمة القمص مرقص داود القاهرة ١٩٦٠، ص ٣٦٤- ٣٦٥

    خامسا : على طريق الآباء الأولين ، موطن أقرباء يسوع واحباء الله:

 

 1- -هل قصد المسيح منطقة البقاع وأجزاء اخرى من جنوب لبنان؟

يستنتج من الآية التي جاء فيها: “ثم خرج من تخوم صور ومرّ في صيدا وجاء فيما بين تخوم المدن العشر الى بحر الجليل” (مرقس 7: 31 )  ان السيد المسيح صعد من صيدا بإتجاه الشرق مباشرة او الى الشمال الشرقي التفافا حول حرمون باتجاه دمشق، ليعود  بعد ذلك  الى بحيرة طبريا عبر المدن العشر ومن بينها قيصرية فيليبس وأبيلا (وادي سوق بردى) وسواها من المدن. ويرى باحثون اخرون  أن سهل البقاع ولبنان الشرقي كانا حافلين بالتذكارات والمزارات المتعلقة بذكرى الأباء الأولين، آدم وهابيل وقايين وشيت ونوح وأولاد نوح...من هنا ارتبطت هذه البقعة من الأرض  بسيرة هؤلاء الأباء الأولين. لذلك لا يبدو مستبعداً ان يكون السيد المسيح قد قصد هذه المزارات العديدة ليكرم فيها أباء العهد القديم والأولياء المشهورين ، تاكيدا منه على تواصل رسالة الانبياءوهو القائل : "«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ." (مت 5: 17)

 

- أحباء الله المقيمون عند العيون في جبل لبنان.

-  ختاما وتأكيدا على الطابع التعددي والمسكوني بين الاديان في جبل عامل (والبقاع ايضا)   اود ان  اذكر بتقليد يرقى الى التراث  المشترك بين الاديان التوحيدية  ينقل لنا من خلاله الفيلسوف والفقيه ابو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وفي باب "المحبة" حوارا يدور بين الله والنبي داود" . وفيه يطلب النبي داوود من الله قائلا  :

"يا رب أرني أهل محبتك". فيجيبه الله تعالى :
 - " يا داود إئت جبل لبنان، فإن فيه اربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول .إذا أتيتهم فاقرئهم مني السلام وقل لهم:ان ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة. فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي ،أفرح لفرحكم وأسارع الى محبتكم". 
فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل....قال: فجرت الدموع على خدودهم . " .

ثم على لسان كل واحد من هؤلاء الشيوخ (اللبنانيين) يضع الغزالي عبارة يقول فيها كل من الشيوخ الاربعة عشر ما هي حاجته:

١ -  يجيب اولهم : " لا حاجة لنا في شيء من أمورنا  فأدم لنا لزوم الطريق اليك واتمم بذلك المنة علينا".

وقال آخر :"...أمنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك"..... وهكذا يتابع الغزالي سلسلة التمنيات التي  يقدمها هؤلاء الشيوخ اللبنانيين الاربعة عشر  ليوحي الله بعد ذلك الى داود بالقول :

قد سمعت كلامكم وأجبتكم الى ما أحببتم، فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربا فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا الى نوري وجلالي … "

 

وفي خاتمة الحوار يسأل  داوديارب بم نالوا هذا منك ؟قال: "بحسن الظن والكف عن الدنيا واهلها والخلوات بي ومناجاتهم لي وإن هذا منزل لا يناله الا من رفض الدنيا وأهلها......واختارني على جميع خلقي ، فعند ذلك أعطف عليه ...وأريه كرامتي كل ساعة وأقربه من نور وجهي ، إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الحنون الشفيقة ولدها....اذا سمع بذكري أباهي به ملائكتي وأهل سمواتي ....يا داود لأقعدنه  في الفردوس ولأشفين صدره من النظر الي حتى يرضى وفوق الرضا"

 .من كتاب احياء علوم الدين لابي حامد الغزالي :

https://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:o4H4atwsBckJ:https://www.ghazali.org/ihya/arabic/j4-k06.doc+&cd=1&hl=fr&ct=clnk&gl=lb

بهذه الرؤية والذكريات التاريخية  اردت أن اختم هذه المداخلة بالعودة الى التأكيد على رسالة هذا الوطن الصغير لبنان – الذي يشكل فيه جبل عامل – بلاد بشارة موقعا مميزا , متمنيا مع الاصدقاء المعدين والمشاركين في هذا المؤتمر , المساهمة في تحقيق هذه  الرسالة , من خلال تعزيز تراثه التاريخي الروحي والثقافي . مرددين جميعا مع الجليلي بطرس الملقب ب"الصخرة - كيفا" - والذي يذكرنا بشخصيته اكثر من موقع من مواقع التراث  العاملي مثل دير كيفا وشمعون الصفا وجبل حرمون حيث قال :
 "يا رب يطيب لنا ان نقيم ههنا)  "  متى 17:4).

 

 قانا في 4 - 5 – 6  تشرين الاول 2019

 

à 18:30  

Libellés : جبل عامل مؤتمر قانا جوزف خريشمؤتمر قانا مشروع نص

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث