رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

قلب يسوع، بركان الحبّ الذي لا يهدأ: المطران الياس سليمان

المطران الياس سليمان

قلب يسوع، بركان الحبّ الذي لا يهدأ!

مقدمة

لا تعني كلمة "قلب" في اللاهوت والكتاب المقدّس القلب العضو في جسد الإنسان والمضخّة التي تضخّ الدمّ في الجسم، بل هو كما يصفه بإيجاز نيافة الكردينال جوزف راتسنغر (البابا بنديكتوس السادس عشر): "القلب يعني في لغة الكتاب المقدّس محور الوجود البشري، واندماج العقل والإرادة، والمزاج والإحساس". "القلب هو ذلك الواقع الذي يجد فيه الكائن البشري وحدته وتوجّهه الدّاخلي". وكما يستخلص الكاتب الياس بجاني على الإنترنت[1] "القلب هو تلك القدرة البشريّة التي تذهب أبعد وأعمق من القدرة الفكريّة في الإنسان، وأبعد من تصوّر خيالنا. هو بُعد الغريزة الإلهيّة وهو أيضًا عمق النفس."

القلب-اللوغوس...

فالقلب يوازي اللوغوس باليونانيّة ويشمل على كلّ الكيان الدّاخلي للإنسان المعطى للخارج بدافع الحبّ الذي يحرّكه وينمّي فيه طاقات جديدة مبتكرة لأنماط جديدة من تحقيق الذّات الذي يساهم بدعوة الآخر إلى التفاعل معه ويساهم بتحقيق ذاته هو أيضًا. فيصبح القلب مشاركًا في تحقيق الوجود بالتّفاعل مع الخالق الذي نحبّه ونتلقّى حبّه لنا، ومع الآخر، أي أخواتنا وإخوتنا، لنتحاور معهم حوار حبّ ينمّي المحبّين بتفاعل التبادل والتجاذب الكياني وحوار الثقة الذي يغني ويذهب بأصحابه إلى أبعاد جديدة من الوجود الروحي والنفسي والجسدي المتفاعل ليُخضع النفس للروح في صفائه والجسد للنفس في سموّها مع الروح وبقيادته! أليست صورة الله التي خلقنا عليها؟

حين خلقنا الله على صورته كمثاله، خلقنا لنتخطّى ذواتنا بالحبّ. تخطّي الذّات هو العبور فوق الأنا المنشدّة صوب التراب! فالأنا عند الله غير موجودة إلاّ للبذل والعطاء والحبّ اللامحدود! الله كليّ القدرة، يعطي كلّ شيء بدون حدود، ويأخذ كلّ شيء بدون حدود! لأنّه عطاء مطلق وكليّ القدرة، وحبّ مطلق وكليّ القدرة. أمّا نحن فلا نستطيع أن نعطي كلّ شيء ولا أن نأخذ كلّ شيء بسبب حدود طاقاتنا وعدم جرأتنا على الحبّ اللامحدود. وبما أن الأخذ يفعّل العطاء، والعطاء يغني الأخذ وينمّي الحبّ، بقدر الحبّ يكون الأخذ حقيقيًّا ومفرحًا، والعطاء حقيقيًّا ومفرحًا.

وهنا نصل إلى القلب الذي يعانق الرّوح ويوحّد كلّ الكيان بقيادة هذا الروح الذي يبحر به إلى أبعاد تتخطّى قدراته الذاتيّة على النموّ. في الروح يكون العطاء مفرحًا والأخذ مفرحًا، للمعطي وللآخذ. فالحبّ يعطي قوّة إضافيّة تذهب بعيدًا بصاحبه، على قدر جموحه في هذا الحبّ. وهنا تظهر أهميّة التجرّد والتخلّي لنصل إلى الحبّ اللامحدود الذي لا يعرف الانغلاق ولا الحسابات. فالمحبّ بقدر ما يعطي ويأخذ يَسعد، ويُسعد حبيبه. يموت الامتلاك وينتفض على الانغلاق ويشرّع أبوابه لحريّة السعادة. بقدر ما يبذل يسعد. وتتألّق سعادته في عطاء ذاته برمّتها لحبيبه.

...والحبّ-الأغابيه

وحده الحبّ يسمح لنا بأن نبلغ مراحل من النموّ تفوق القدرات العقليّة والطاقات الذاتيّة التي تميل إلى طلب الأخذ والتكديس الامتلاكي القاتل. هو لا ينمو إلا في فرح العطاء والقبول، لا المادّي بل الذّات من خلال هذا العطاء والقبول. هذا هو القلب المشغوف بالحبّ السامي، أو الحبّ الأغابيه. هذا هو الحبّ الذي يجعل القلب الإلهي يخضع لحاجة الإنسان الذي يحبّه الله، ويتجاوب مع حبّه، ويعمل على رفعه من الدّاخل بدخوله في ذاتيّته وتحويله من الدّاخل بمنطق الحبّ المشغوف بالحبيب! وهذا الحبيب يتفاعل مع إلهه وينشغف به.

كما كان يسوع على الصّليب قد تخطّى كلّ حدود الحبّ الأخوي وصولاً إلى الحبّ-الأغابيه حيث تخضع الآنا للنحن بشكل مطلق وتذوب الأنا في خدمة الآخر لتبنيه وتغلّ في تفاعل قلبيّ يفيض من الدّاخل الباحث عن إسعاد الحبيب! أحبب بهذا المعنى تفهم وتكتشف!

هذه المرحلة هي مرحلة متقدّمة من الحبّ لا يدركها إلاّ أبطال الإيمان الذين هم مستعدّون لتسليم أنفسهم إلى الأذيّة في سبيل الحبيب أو إنقاذه! أليس هو يسوع الذي أعرض عن الأنا بكلّ أشكالها حين أخلى ذاته آخذًا صورة العبد ليرفعنا إلى مشاركته بالألوهة؟

يتألّق الحبّ في أسمى مراميه على الصّليب حيث ينظر يسوع إلى جلاّديه وصالبيه بحنان وشغف وحبّ لا يمكننا أن نتصوّره نحن الترابيّين: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم!" كيف أحبّنا؟ "ما من حبّ أعظم من حبّ من يبذل نفسيه عن أحبّائه!" هكذا أحبّنا!

هو لا يكتفي بأن يحبّنا بهذا الشكل بل يريدنا أن نصل نحن أيضًا إلى هذا الحبّ-البطولي الذي يشهد على أنّنا أحياء فعلاً. في هذا البعد من الحبّ لم يعد المعيار قدرة الحبيب على الحبّ بل حاجة المحبوب لهذا الحبّ لإنقاذه. ما هي قدرة الأمّ على الدفاع عن ولدها عند الخطر؟ لا طاقة لها. بل تصبح كتلة قوّة جنونيّة تتناسب مع حبّها وحاجة ولدها للإنقاذ، لا مع طاقاتها وقدرتها على عطاء الذّات. هي تتخطّى ذاتها لتتضاعف قواها بشكل لامحدود، لتنقذ حبيبها. ومتى مرّت الأزمة وأنقذت ولدها أم لا، تنهار وتسقط أرضًا، لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها. لقد استنفذت كلّ طاقاتها! كانت قد جمّعت كلّ طاقاتها بصورة شبه مطلقة وتشنّجت بطاقات تتخطى طاقاتها أتتها من هلعها على حبيبها. ألم يكن هذا وضع المسيح على درب الجلجلة حتى الصّليب؟ كان رافضًا أن يموت على الطريق، لأنّه بحبّه الجنوني أراد أن يحمل عليه عارنا حتى الذروة! وموتنا حتى الذلّ! ويشرب الكأس عنّا حتى الثمالة! ألم يطلب يسوع من سمعان بطرس مثل هذا الحبّ؟

"أتحبّني؟... إرعَ خرافي!"

بعد الصيد العجائبي في نهاية إنجيل يوحنّا، سأل يسوع سمعان بطرس: "يا سمعان ابن يونا أتحبّني (محبّة فداء: أغابي مِ؟) أكثر ممّا يحبّني هؤلاء؟" أجابه سمعان: "نعم يا ربّ أنت تعلم أنّي أحبّك (محبّة أخويّة: فيلو تِ)". قال له يسوع: "إرعَ حملاني!" وهم الأضعف في القطيع، والأكثر حاجة للعناية! ثم قال له ثانية: "يا سمعان ابن يونا، أتحبّني (محبّة فداء: أغابي مِ؟)" أجابه سمعان: "نعم يا ربّ أنت تعلم أنّي أحبّك (محبّة أخويّة: فيلو تِ)." فقال له يسوع: "إرعَ نعاجي!" وهم أقوى من الحملان ولكن أضعف من الخراف. ثمّ سأله يسوع ثالثة: "يا سمعان ابن يونا أتحبّني (محبّة أخويّة: فيلو مِ؟) نزل يسوع إلى مستوى بطرس في المحبّة الأخويّة! فحزن بطرس لأن يسوع سأله مرّة ثالثة: أتحبّني؟ وقال له: "نعم يا ربّ أنت تعلم كلّ شيء وتعلم أنّي أحبّك (محبّة أخويّة: فيلو تِ)" قال له يسوع: "إرعَ خرافي! الحقّ الحقّ أقول لك: حين كنت شابًّا كنت تشدّ حزامك بيديك وتذهب إلى حيث تريد. فإذا صرت شيخًا مددتَ يديك وشدّ غيرك لك حزامك وأخذك إلى حيث لا تريد." يهذا الكلام أشار يسوع إلى الميتة التي سيموتها بطرس، فيمجّد بها الله. ثمّ قال له: "إتبعني!" (يو 21: 15-19).

نلاحظ أن بطرس لم يستطع أن يسمو بحبّه ليسوع إلى حبّ القلب المتجرّد من الأنا ليموت عن يسوع الذي كان بطرس فعلاً يحبّه! ولكن طاقته على الحبّ القلبي وتخطّي الذّات لم تكن بمستوى يسوع بل بمستواه هو. لذلك كان يسوع يكلّمه عن حبّ الفداء الذي يحتاجه الحملان، فلم يستطع أن يفعل، بل أجاب بأّنه يحبّ يسوع محبّة أخويّة، لا تتطلّب الفداء بل العواطف والمشاعر: يحبّ من يحبّه. فقال له أن يرعى الحملان المحتاجين إلى قدر أسمى من الحبّ.

ثم سأله ثانية إن كان يحبّه محبّة فداء، فأجابه بمحبّة أخويّة أيضًا، فقال له يسوع أن يرعى نعاجه وهم الفئة من القطيع التي تحتاج أقل من الحملان عناية، ولكنّها تحتاج أيضًا إلى فداء.

وأخيرًا نزل يسوع إلى مستوى بطرس حين سأله إن كان يحبّه محبّة أخويّة! فحزن بطرس لأنّه لم يستطع أن يسمو إلى حبّ الفداء. إنّ حبّه ضعيف بالمقارنة مع ما تتطلّبه الرسالة! وأيضًا لأنّه ذكّره بنكرانه الثلاثي له بسبب ضعف طاقاته على الحبّ-الفداء. فطالبه يسوع بأن يرعى خرافه، وهي الفئة الأقوى بين القطيع، ولكنّها أيضًا تحتاج إلى فداء.

ولكن يسوع لم يتراجع! فالقطيع كلّه بحاجة لراعٍ يبذل نفسه عنه بمحبّة فداء. لذلك وعده بأنّه سيموت ميتة حبّ فداء وسيمجّد الله بها. ثمّ قال له: "اتبعني!" أي على درب إعطاء حياته لأجل الخراف. فهل سار بطرس بطواعية؟ ماذا حدث بعد ذلك؟

بطرس والتلميذ الحبيب

"التفت بطرس فرأى التلميذ الذي كان يحبّه يسوع يمشي خلفهما، وهو الذي مال على صدر يسوع وقت العشاء وقال له: "من الذي سيسلّمك؟" فلمّا رآه بطرس قال ليسوع: "وهذا ما هو مصيره؟" فأجابه يسوع: "لو شئت أن يبقى إلى أن أجيء، فماذا يعنيك؟ إتبعني أنت!" (يو 21: 20-22) يبدو أن بطرس يتهرّب عبر الحشريّة من التزامات حبّ الفداء! فراح "يلوطع!" ولكن يسوع ضبطه بكلام يحمل تأنيبًا: "ماذا يعنيك؟" اهتمّ أنت بشؤونك لا بشؤون غيرك التي لا تعنيك. وهذه الحشرية هي تنازل عن الالتزام بتمتطلّبات الحبّ الفداء والهروب منه.

قال له يسوع: "أنت اتبعني!" لا تهرب! فالحشرية تبدّد الطاقات وتعمّم التلكّؤ في السير نحو الهدف! هذا هو الحبّ الذي لم يستطع سمعان بطرس بطاقاته الذاتيّة أن يحبّه ليسوع! ولكن متطلّبات الرسالة والسهر على الخراف سيكون كفيلاً، بعد حلول الرّوح القدس، بالسير به حيث يشاء حبّ القلب الذي أحبّه يسوع للبشريّة! الحبّ البركاني الذي لا يعرف حدًّا للعطاء، والذي لا يقبل بأخذ خجول يخاف من التزامات تأدية الحساب عن الأخذ، بعطاء أكثر فيضًا. أليس هذا هو منطق الوزنات والمتاجرة بها؟ أليس هذا هو منطق يسوع في كلّ الإنجيل: جدليّة العطاء والأخذ، والأخذ والعطاء النامي بصورة حلزونيّة تصاعديّة حتى بلوغ الملكوت؟

خلاصة

ما أعظم حبّك يا يسوع! كلّ ما أخذته من الآب بالروح القدس تريد أن تعطينا إيّاه بكامل جذريّته! الحبّ والحقيقة والتواضع كانت صفات قلبك الأقدس! بشغفك بالآب أخبرتنا كلّ حقيقته، وكم ردّدتَ: الحقّ الحقّ أقول لكم! آنت هو الطريق والحق والحياة. فالطريق هو الذي يُداس من التراب إلى الرّوح، من الأرض إلى السماء. وحده الحبّ يكسر القيود ويتخطّى الطبقات. أنت الله ونحن خليقتك، ومع ذلك بقدر ما أحببتنا جعلت من نفسك سخريّة الأعداء والشعوب والجميع لتنقذنا. لم تعد تنظر إلى من أنت ومن نحن! بل رحت تبحث عنّا لتجدنا، نحن الخروف الضال. كان الحبّ في صدرك متفجّرًا. لا تستطيع أن تضبطه. غليان جنونيّ! حملت المشروع منذ إخلاء ذاتك ونزولك من السماء، وقلبك يتأجّج بنيران الحبّ البركانيّة! تريد أن تسكب فينا كلّ الألوهة! فلم نرد! ثمّ حرّكت فيننا الحبّ، فلم نستطع بسبب حدود ضعفنا! دربت تلاميذك على الاستشهاد، ولكنّهم اصطدموا بالأنا. حتى التلميذ الحبيب وشقيقه يعقوب، وقعا في الفخ، وأتيا بوالدتهما كواسطة لتجلسهما واحدًا عن يمينك والآخر عن شمالك! وإذا بالعشرة الآخرين يمتعضون من الأخوين! وأنت تحترق من الحبّ وعليهم من الأنانيّة وقلّة الإيمان وقلّة الحبّ والفتور في العطاء والتحفّظ في الأخذ. أرسلتهم يعدّون لك الطريق حيث أنت تريد أن تذهب لتبشّر، وذلك لكي تدرّبهم على المسؤوليّة. فعادوا فرحين "لأنّه حتى الشياطين تخضع لهم!" اغتبطوا بأنهم باتوا أصحاب سلطان! هذا يزعجك! لذا صحّحتهم برفق بقولك: "بل افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في ملكوت السماوات!" هذا ما يبقى لهم في حبّ لا يعرف الحدود. السلطة سوف تزول، والمملتكات سوف تذبل، وكلّ شيء سوف يعبر! والحياة وحدها تبقى! فالحبّ حياة نامية، والحياة تنمو في الحبّ! وما يبقى هو الحبّ والحياة في نور الحقيقة! وأنت تفيض حبًّا من صليبك على الأرض! فلم يفهم الناس ولم يريدوا أن يدركوا هذا الكنز الذي لا يقدَّر! فعلى الصّليب أردتَ أن يُطعَنَ قلبُك ليتدفّق منه الحبّ وأنت معلّق على الصّليب ليغسل البشريّة والأرض والخليقة التي تنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله! وقد تجلّى أبناء الله فيك يا ربّ! وتدفّقوا من بركان قلبك الناري الذي لا ينضب ولا يخبو ولا يعرف الفتور! علّمني حبّك يا الله! أيّها الحبّ المتدفّق من عرش الصليب الملوكي حيث بلغ المجد الذروة بخلاصنا، من قلبك المطعون بحربة الحبّ، من حيث تدفّق العماد والإفخارستيّا والكنيسة والبشريّة الخليقة برمّتها! لكي ينظر البشر إلى الذي طعنوه وينالوا منه الحبّ والحياة! (را يو 19: 37) من هنا، من هذا القلب، بوابة العبور إلى السماء، وإلى الآخر، وإلى الحياة، وإلى تألّق الحبّ في أشهى لمعان بهائه!

أسئلة للتفكير والتأمّل

هل تعي ماذا يعني الحبّ؟ أتستعدّ أن تأخذ كلّ شيء من المسيح لتعطي كلّ شيء؟ إفراغ الذات يصبح طاقة امتلاء! عمّ عليك أن تتخلّى لتحبّ؟ أتجرؤ أن تعطي المسيح كلّ شيء؟ فكّر! ماذا تستطيع أن تأخذ معك ممّا تنهمك للحصول عليه؟ هل تأخذ المال؟ أم السلطة؟ أم جواهرك؟ أو صحّتك؟ أو نجاحك؟ لماذا لا تتخلّى عن كلّ ما يصبح مع الوقت إلهك ليصبح وسيلة لعبادة الله بالحبّ؟ لماذا تكدّس ما لا تملك؟ وهل تملك ما لا تستطيع أن تأخذه معك إلى السماء؟ قرّر: عمَّ عليك أن تتخلّى لتتركه وتسلك بحبّ يسوع بأمانة صوب السماء؟ ماذا يفيدك الباقي؟

 

 

[1]  مفهوم ومعاي "القلب" في الكتاب المقدّس في www.104521ccc.com

أضف تعليق


كود امني
تحديث