رابطة قدامى الإكليريكية البطريركية المارونية

عظة المطران منير خيرالله في جناز الزميل فادي ميشال جبيقه

« لقد قام وليس هو هنا» (متى 28/6).

إخوتي الكهنة، أيها الأحباء، عائلتي الحبيبة

نلتقي معًا اليوم في وداع أخينا فادي وهو يستودعنا محبّة الربّ والإيمان والرجاء بالقيامة مع السيد المسيح. إخترت أن نسمع معًا إنجيل القيامة من إنجيل متى: « ولما إنقضى يوم السبت وطلع فجر الأحد» جاءت النسوة إلى القبر يفتشن عن يسوع الميت لكي يحنّطن جسده ويحتفظن به. بينما يسوع كان قام والحرّاس الذي كانوا يحرسون القبر صاروا كالأموات. نعم، قيامة الربّ يسوع قلبت كلّ المقاييس، وغيّرت منطق البشر؛ غيّرت كل حقيقة البشر؛ فأصبح الأحياء أمواتًا والأموات أحياءً. لقد تغيّر كل شيء بقيامة الرب يسوع. وقال الملاك للنسوة: « أنتن تطلبن يسوع المصلوب ؟ إنه قام وليس هنا بين الأموات فإذهبن وأخبرن رسله والتلاميذ أنه قام من بين الأموات. إذهبن وبشرن العالم أن المسيح قام، أن المسيح إله القيامة. هو الإله صار إنسانًا ليحمل إنسانيتنا الضعيفة وخطايانا على الصليب وارتضى الموت لأنه يحبنا؛ وليقول لنا: هذا هو ثمن المحبّة، « أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل من يحب». فكم بالأحرى إذا كان من يبذل نفسه هو الإله بالذات. إنها قمة المحبة. فأظهر لنا السيد المسيح بموته وقيامته ليس فقط أنه إله الحياة، بل أيضًا أننا جميعًا مدعوون إلى الحياة، وأننا جميعًا انتصرنا على الموت بقيامته ولم يعد للموت من سلطان علينا. أصبحنا أحرارًا؛ أصبحنا من جديد أبناء الله.

هذا هو إيماننا نعلنه كما تعلنه الكنيسة منذ ألفي سنة. وهو الإيمان الذي وصل إلينا من عائلاتنا المباركة والمقدسة وفي كنيستنا وفي شعبنا؛ ونحن نعلنه اليوم وكل يوم « المسيح قام».

ولمّا انقضى السبت وطلع فجر الأحد جاءت أفدوك وياسمين ونينا يتفقدن فادي بين الأموات، بينما فادي قام مع المسيح الفادي وهو يحمل اسمه. نعم، فادي قام وليس هنا. أصبح في السماء في مجد القيامة مع رب الحياة. وفادي يستحق أن يدخل الملكوت اليوم بعد حياة قصيرة بيننا عاشها بالشهادة للمسيح كلّ لحظة وكل يوم وكل شهر وكل سنة. وأنا أشهد على ما كان فادي يمثل بالنسبة إلينا وبالنسبة إلى بلدته الحبيبة بسكنتا وبالنسبة إلى كنيسته وبالنسبة إلى وطنه لبنان. أنا اشهد وشهادتي صادقة؛ لأني التقيت فادي أو بالأحرى جمعنا الرب، فادي وأنا، في عمر الثانية عشرة عندما دعانا معًا إلى الكهنوت. فدخلنا معًا إلى المدرسة الإكليريكية الصغرى في غزير لنتربّى ونتنشأ ونعرف كيف نلبي دعوة الله لنا لنخدم في الكهنوت. ودخلت مع فادي إلى بسكنتا وأنا صغير. دخلت بيت ماري وميشال حبيقه وأنا يتيم الأب والأم. فلقيت في هذا البيت عائلة وعند ماري وميشال أبوين أحبّاني واعتبراني الولد السابع في العائلة. ومشينا معًا، فادي وأنا، سنوات طويلة. وكنت آتي إلى بسكنتا بفرح كبير لنلتقي معًا في خدمة الكنيسة والرعية هنا كما في خدمة كنيستنا في لبنان. وكنا نلتقي معًا للدراسة ولتحضير شهاداتنا الرسمية هنا في بيت فادي، إذ كنا نستيقظ كل يوم في الرابعة فجرًا للدراسة معًا ولتحضير مستقبلنا. ثم افترقنا. افترقنا ! لا، التقينا من جديد. افترقنا والتقينا لأتكرّس أنا للخدمة في سرّ الكهنوت وليتكرس فادي لخدمة الكهنوت، الكهنوت العام، كهنوت المعمّدين. والكهنوت هو نفسه؛ لأن الرب يسوع دعانا لنشاركه كهنوته. رحت أنا أخدم أبرشيتي وكنيستي في كهنوت الخدمة، وراح فادي يكرِّس حياته كلها للخدمة، لخدمة الإنسان، لخدمة إخوة يسوع المسيح في مجتمعه وفي وطنه. راح فادي يرفض الزواج ويتكرّس أولاً لخدمة الإخوة الأحداث المسجونين في سجن الأحداث في الحدث بيروت. ثم انتقل ليخدم الإخوة المحتاجين إلى عاطفة ومحبّة في مؤسسة الأب عفيف عسيران الأب القديس. ثم انتقل إلى خدمة المحبة إلى خدمة كل الناس في رابطة كاريتاس لمدة ثلاثين سنة. ثم انتقل مؤخرًا إلى المركز الاستشفائي في بيت شباب لخدمة الإخوة المرضى. حياته تميّزت بالخدمة، الخدمة الصامتة. كان فادي منذ صغره وحتى وفاته رجل الخدمة بصمت. لم نسمع له صوتًا يعلو على الآخرين؛ بل كان كله، كما تربى على يد الوالدين الصالحين، عاطفةً ومحبةً وسهرًا وعناية لإخوة يسوع الصغار. فكان يقول له يسوع، كما يقول لكل واحد منا: « كنت جائعًا، كنت عطشانًا، كنت مريضًا، كنت سجينًا، وخدمتموني».

هذه هي حياة فادي تتلخص في الخدمة الصامتة؛ في الخدمة حتى بذل الذات. ألا ترون معي في هذه الخدمة مشاركةً في كهنوت المسيح ؟ نعم، فادي كان الكاهن الخادم المخلص بمحبة لا حدود لها. وعلامةُ إرادة الله ظهرت في أنه دعاه إليه فجر الأحد فجر يوم القيامة. مع أننا فوجئنا جميعًا بغيابه، لكننا نعرف أن المسيح اصطحبه معه فجر الأحد لينعم بمجد القيامة. هذا هو فادي، فادي مع المسيح الفادي! إنه قام وليس هنا بين الأموات. وهو اليوم يتطلع إلينا جميعًا من فوق، من السماء. يصلي من أجلنا كما كان يصلي في حياته. يكرّس وقته في الحياة الأبدية الآن لخدمة إخوة يسوع الصغار من السماء. وسيبقى يسهر عليهم ويعتني بهم. هكذا يريد الرب يسوع. وسيبقى فادي شفيعًا لكل من يريد أن يكرّس حياته لخدمة المحبة. فيطلب من الله أن يباركنا جميعًا. أن يعطينا الجرأة والقوة على عيش إيماننا بحرية وكرامة. هو يطلب لنا نحن المسيحيين في لبنان بنوع خاص كي نثبت في إيماننا ورجائنا؛ كي نحمل دومًا رسالة كنيستنا في لبنان وفي الشرق وفي العالم، رسالة المحبة والانفتاح والخدمة والمصالحة ومحبة الناس واحترام الآخر. ورسالة وطننا لبنان الذي دعاه القديس البابا يوحنا بولس الثاني « الوطن الرسالة». ويطلب فادي من الله أن يباركنا نحن اللبنانيين كي لا نستسلم لليأس بالرغم من مواجهة كل التحديات. فلا ننسى أن أجدادنا وآباءنا على هذه الأرض المقدسة عانوا وواجهوا الكثير وبقوا ثابتين لنستطيع نحن اليوم وكل يوم أن نعلن إيماننا بحرية وكرامة ورأس مرفوع. وسنبقى كذلك.

لا تخافوا ! طالما أن عندنا بعد كثيرين مثل فادي الخادم الأمين والمخلص، فلا خوف علينا، ولا خوف على كنيستنا، ولا خوف على وطننا. فكنيستنا هي كنيسة المسيح، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. ووطننا هو أرض مقدسة، هو وقف لله وسيبقى وقفًا لله.

هذه هي تعزيتي الحارة والقلبية أتقدم بها باسم عائلتي، باسم نصير وجان وأفدوك وياسمين ونينا وعائلاتهم وآل حبيقه، منكم جميعًا إخوتي الكهنة ومن جميع الأصدقاء، ومن أبناء وبنات بسكنتا، طالبًا منكم أن تثبتوا في إيمانكم وفي رجائكم بمجد القيامة مع المسيح؛ لأن فادي قام وهو مع المسيح الفادي. ونحن نبقى هنا نتطلع إلى فوق إلى يوم اللقاء ساعة يشاء الله. آمين.

بسكنتا، كنيسة مار يوسف، الاثنين 13/5/2019